الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي
107
تفسير كتاب الله العزيز
المسلمين كانت بينه وبينه رضاعة فقال : يا نبيّ اللّه ، هذا فلان قد أقبل تائبا نادما . فأعرض عنه نبيّ اللّه . فلمّا سمع به الأنصاريّ أقبل متقلّدا سيفه ، فطاف به ساعة ، ثمّ إنّ نبيّ اللّه قدّم يده للمبايعة فقال : أما واللّه لقد تلوّمتك « 1 » هذا اليوم لتوفي فيه نذرك . فقال : يا نبيّ اللّه ، هيبتك واللّه منعتني ، فلولا أو مضت إليّ « 2 » . قال : إنّه لا ينبغي لنبيّ أن يومض ، إنّما بعثوا بأمر علانية ليس فيه دنس ولا رمس « 3 » . قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا : أي إلى المدينة وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ : يعني المهاجرين وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا : يعني الأنصار آووا المهاجرين لأنّهم أهل الدار ، ونصروا اللّه ورسوله . أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ : يعني المهاجرين والأنصار . ذكروا أنّ المهاجرين قالوا : يا رسول اللّه ، ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن بذلا في كثير ، ولا أحسن مواساة في قليل ، قد كفونا المئونة ، وأشركونا في المهنإ ؛ قد خشينا أن يذهبوا بالأجر كلّه . قال : كلّا ما دعوتم اللّه لهم وأثنيتم عليهم . قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا : هذا في الميراث . قال بعضهم : نزلت هذه الآية فتوارث المسلمون زمانا بالهجرة . وكان الأعرابيّ المسلم لا يرث من قريبه المهاجر شيئا . [ ثمّ نسخ ذلك ] « 4 » في سورة الأحزاب في هذه الآية : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ [ الأحزاب : 6 ]
--> ( 1 ) تلوّم في الأمر : تمكّث وانتظر . ( 2 ) أومض ، أي : أشار إليه إشارة خفيّة ، وهو من أومض البرق ، ومنه أو مضت المرأة إذا سارقت النظر . ( 3 ) الرمس : الصوت الخفيّ . ورمس الخبر والحديث أخفاه وكتمه . وقد روى الطبريّ في تفسيره ، ج 14 ص 76 هذا الخبر عن قتادة في قصّة عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح ، ولم ترد فيه الجملة الأخيرة . ( 4 ) جاء في المخطوطات الأربع : « حتّى نزلت هذه الآية في سورة الأحزاب » ، وأثبتّ ما ورد في ز ورقة 122 ، وفي تفسير الطبريّ ، ج 14 ، ص 80 .